نشوى احمد على كتبت: العقاد… ما بين التعليم والتثقيف

0

العقاد… ما بين التعليم والتثقيف

تُرى، لمَنْ يقرأ شباب الحاضر، وبناة المستقبل؟
وهل لهم من أسوةٍ يتأسُّون بها؟
( الصدمات نوعان، واحدة تفتح الرأس، وأخرى تفتح العقل )
كان هذا أحد الأقوال المأثورة لذلك العبقري، ولطالما استوقفتني تلك العبارة؛ لما لها من صلةٍ وطيدةٍ بحياته؛ ففي رحلة كفاحه الكثير من الدروس والعظات، ولمَنْ يبحث عن القدوة، إليكم ومضات من حياة العقاد.

لم يكن طريق العقاد الذي سلك ممهدًا كأقرانه؛ فقد لازمه العناء مُذْ كان وافدًا جديدًا على هذه الحياة، وقد اقتصر تعليمه على المرحلة الابتدائية؛ حيث لم يتمكَّن والده من بعْثه من أسوان – مسقط رأسه – إلى القاهرة؛ لاستكمال تعليمه في المدارس الحديثة التي لم تتوفر إلا في العاصمة آنذاك.

مَنَّ الله – عز وجل – على ذاك الطفل بذكاءٍ حادٍّ غير معهود، وإصرارٍ قلَّما وُجِد في ذويه، فقد كان مولعًا بالقراءة منذ نعومة أظفاره، فداوم على المطالعة والتثقيف الذاتي حتى أصبح موسوعةً لا تُضاهى في العلم والمعرفة، وإمعانًا في المثابرة، فلم تقتصر قراءاته على العربية، وإنما امتدَّت إلى الإنجليزية، فامتلك ناصيتها هي الأخرى، وساهم كل هذا – إضافةً إلى موهبةٍ جليَّةٍ – في ميراثٍ خالد وكنزٍ ثمين من الكتب الأدبية والفلسفية والدينية مثل سلسلة العبقريات، كعبقرية محمد، وعبقرية عمر.

ناطحت قامته قامات عمالقة عصره، حتى أشتهر بمعاركه الأدبية والتي كان من أشهرها معركته مع أمير الشعراء ” أحمد شوقي ” الذي لم يسلَم من نقده اللاذع لشعره؛ فقد كان يرى أن شعر شوقي تقليدًا لا روح فيه؛ لذا أسس مدرسته الشعرية الخاصة بالتعاون مع صديقيه ” إبراهيم المازني ” و” عبد الرحمن شكري “، وأطلق عليها مدرسة الديوان، داعيًا إلى الشعر الوجداني، مطالبًا بالتجديد، متمرِّدًا على القوالب القديمة، وكان له نتاجٌ هائلٌ من الدواوين الشعرية كديوان ” أشجان الليل “، و” عابر سبيل “.

ومعركته مع عميد الأدب العربي ” طه حسين ” حول فلسفة أبي العلاء المعرِّي؛ وقد كان أهلًا للمعركة؛ فهو بحرٌ في الفلسفة ولا شك، ومعاركه أيضًا مع ” مصطفى صادق الرافعي ” حول الإعجاز الديني، والكثير من المعارك مع أدباء ومثقفين لا يستهان بهم.
فهل كنتَ تتصوَّر أن ذلك الطفل الذي لم تَخْطُ قدماه مدرسةً خارج نطاق الابتدائية أن يقود معارك كتلك، مناطحًا جبابرة الأدب والفلسفة؟

اشتغل العقاد في كثيرٍ من الوظائف الحكومية التي لم ترضي طموحه وتروي ظمأه في نَهْل العلم ونقْله، فتمرَّد عليها، واستقال منها؛ ثائرًا على القوْلبة كعادته، وكتب مقالًا عن رِقِّ وعبودية الوظيفة في القرن العشرين، وقد جاء على لسانه:
(ومن السوابق التي أغتبط بها أنني كنت فيما أرجح أول موظف مصري استقال من وظيفة حكومية بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقة واحدة من الغرابة وخطل الرأي عند الأكثرين، وليس في الوظيفة الحكومية لذاتها معابة على أحد، بل هي واجب يؤديه من يستطيع، ولكنها إذا كانت باب المستقبل الوحيد أمام الشاب المتعلم فهذه هي المعابة على المجتمع بأسره ).

لم يترك الوظيفة الحكومية لينعم بالكسل والراحة، وإنما رضوخًا لثورة طموحه التي لا تهدأ؛ وقد عمل في الصحافة، نائيًا بنفسه عن العمل الروتيني، فنشر أول ما نشر في جريدة ” الدستور “، وتنقَّل بين الصحف ” كالأهرام ” و” البلاغ “، ثم انتقل إلى جريدة ” الجهاد ” ومن ثَمَّ إلى ” روز اليوسف ” اليومية.

كان للعقاد باعٌ لا بأس به في الحياة السياسية، فقد تعرَّف على زعيم الأمة ” سعد زغلول ” من خلال عمله بالدستور، فأصبح لصيقًا به، وكذا ارتبط بحزب الوفد الذي كان يرأسه، كما انتُخِب كعضوٍ للبرلمان، مدافعًا عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، لدرجة أن تمَّ الزج به في السجن بتهمة العيْب في الذات الملكية، ثم اتجه إلى معاداة النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، مما ساق اسمه إلى قائمة المطلوبين للقبض عليهم، فاضطر إلى الفرار إلى السودان، ولم يعد إلا بعد انتهاء الحرب.

وكان موسوعي المعرفة، غير قاصر الاطلاع في مجالٍ معين؛ فقد قرأ في التاريخ الإنساني والفلسفة والأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع، مما أثرى عقله، فأثرى مكتباتنا بكتبه المُفْعمة بالأفكار والفلسفات العميقة، التي قد تتفق أو ربما تختلف معها، لكننا لن نختلف أبدًا في استفزازه لعقولنا، وإعمالها للوصول إلى تكوين رأي خاص، وهذا شيءٌ مما علَّمَنا إياه.

كل هذا رغم أن القدر لم يمهله الفرصة لاستكمال تعليمه.
والآن، بعدما استعرضنا نقاطًا يسيرةً من حياة أحد نوابغ العصر، ها قد حان موعدنا مع السؤال الذي طرحناه آنفًا، لمَنْ يقرأ أبناؤنا؟ وبمَنْ يفضلون التأسِّي والاقتداء؟
إذا طالعت إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، ستجد ردًّا جليًّا يسقيك، لكنه لن يرويك، ويكأنك تجرعَّت حفنةً من ماء البحر، وذلك فقط إذا دققت النظر في صفحات بعضهم، وفطنْتَ إلى ركاكة أسلوبهم وضعف لغتهم وتخلِّيهم عن متانة الحرف وسقوط الكثيرين في أخطاء الإملاء وحروف الهجاء، لتأكدت بنفسك من أنه جيلٌ لا يقرأ، وإذا قرأ، فلم يحسن انتقاء ما يقرأ، إذًا، فأغلب شباب اليوم لا يقرؤون، لذا لم يفلحوا في اختيار القدوة الحسنة.
ونصيحتي: لينظر كلُّ امرءٍ إلى أُسْوته، هل تستحق، أم أن عليه إعادة النظر؟
#نشوة_أحمد_علي

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق